محمد بن وليد الطرطوشي
136
سراج الملوك
فإن قال قائل : كيف نهى أبا ذر عن القضاء وأمر عليّا بالقضاء ، مع ما فيه من التغرير « 1 » ؟ وما روي بأن من قدّم للقضاء فقد ذبح بغير سكين ؟ وفيه البعد عن حضرته والتيمّن بالمشاهدة « 2 » ، وتعلم سننه وشرائع دينه ، والتخلق بأخلاقه وشيمه ؟ . وأيّهما أفضل : المثول بين يديه ، والكون بحضرته ومشاهدته والصلاة خلفه ، أو القضاء في غيبته مع البعد عنه ؟ قلنا : إنما نهى أبا ذر ، لمعنى فيه يقصر به آخره عن رتبة القضاء ، مما كان ضده في عليّ رضي الله عنه [ من استجماع شرائط القضاء وقوّته عليه ، ألا تراه صلى اللّه عليه وسلم قال لعلي : « إن الله هاد قلبك » ، وقال لأبى ذر : « إني أراك ضعيفا » ] « 3 » ، ثم قال في آخره : ( إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها ) فاستدللنا بذلك على أن : من استجمعت فيه شروط القضاء وكان قويا على إنفاذه ، لم يدخل تحت النهي . ومما يعدّ ضعفا عن القضاء طلبه إياه ، إذ لم يدر عواقبه ، وقد وصف الله سبحانه المتسرع إلى الأمانة بالجهل ، فقال تعالى : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا [ الأحزاب : 72 ] ، أي ظلوما لنفسه ، جهولا بعاقبة امره ، والدليل على صحّة هذا التأويل : قول النبي : صلى اللّه عليه وسلم ( القضاة ثلاثة : اثنان في النار واحد في الجنّة : رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة ، ورجل عرف الحق فلم يقض به وجار في الحكم فهو في النار ، ورجل لم يعرف الحقّ فقضى للناس على جهل فهو في النار ) « 4 » . قلت : فهذان الرجلان ضعيفان عن رتبة القضاء ، أحدهما بغشه وظلمه ، والآخر بجهله . وقد عابت جهلة بني إسرائيل ( طالوت ) « 5 » ، فقالوا : أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ [ البقرة : 247 ] ، فعابوه بخصلتين : الفقر ، وأنه ليس من سبط المملكة ، فقال لهم نبيّهم : إِنَّ اللَّهَ
--> ( 1 ) الغرر : وهو التعريض للهلاك أو الغرير : الشاب الذي لا خبرة له . ( 2 ) أي في سفر على رضي الله عنه للقضاء البعد عن حضرة النبي ( صلى اللّه عليه وسلم ) وفي ( خ ) : التيمن بمشاهدته . ( 3 ) ما بين المعقوفتين سقطت من ( ط ) . ( 4 ) أخرجه الأربعة وصححه الحاكم ، والحديث صحيح ( الجامع الصغير للسيوطي ، 3 / 89 ، رقم : 6189 ) . ( 5 ) طالوت : ملك أرسله الله إلى بني إسرائيل ، ولم يكن من بيت الملك ، كان عالما بالعلوم والحروب ، وأمر الله داود - عليه السلام - أن يكون من جنوده ، وقد حارب معه وقتل داود جالوت ملك العمالقة الذي كان كافرا ، وكان عدوا لهم ، ولما قتله أعطاه الله ملك بني إسرائيل .